يعرض الكاتب الفاضل إبراهيم في هذا التحليل المعمّق ملامح صراع إقليمي غير معلن يدور في كواليس الحرب الأهلية السودانية بين مصر والإمارات العربية المتحدة، حيث يقف الطرفان على جانبي نقيض في صراع دموي دفع السودان إلى حافة الانهيار.
يشير المقال الذي نشرته منصة ريسبونسيل ستيت كرافت إلى نقاش أوسع حول التنافس الإقليمي وتداعياته على الاستقرار في القرن الأفريقي.
حرب السودان: ساحة تنافس إقليمي صامت
تدور الحرب الأهلية في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. ومع امتداد أمد القتال، تتكشف تدريجيًا أبعاد إقليمية للصراع، أبرزها التنافس غير المعلن بين مصر والإمارات. تدعم القاهرة الجيش السوداني باعتباره العمود الفقري للدولة وضامن الاستقرار على حدودها الجنوبية، بينما تساند أبوظبي قوات الدعم السريع، وفق تقارير أممية وأميركية متراكمة.
تسببت الحرب في كارثة إنسانية غير مسبوقة، مع نزوح ملايين السودانيين وتدمير واسع للبنية التحتية. وفي أيامها الأخيرة، فرضت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عقوبات على قادة من الطرفين، في خطوة عكست قلقًا دوليًا متزايدًا من تفاقم الصراع وارتكاب انتهاكات جسيمة.
حسابات مصر: الأمن والاجئون ومياه النيل
تنظر مصر إلى السودان من زاوية أمن قومي وجودي. ترى القاهرة أن الجيش السوداني يشكل الحاجز الأساسي أمام الفوضى على حدودها الجنوبية، وأن انهياره قد يفتح الباب أمام موجات هجرة ضخمة وعدم استقرار إقليمي واسع. بالفعل، تستضيف مصر أكثر من 1.2 مليون لاجئ سوداني منذ اندلاع الحرب، ما يجعلها أكبر دولة مستقبِلة للسودانيين الفارين من القتال.
إلى جانب البعد الإنساني، تحتل قضية مياه النيل موقعًا محوريًا في الحسابات المصرية. ضعف الدولة السودانية أضعف موقف القاهرة التفاوضي أمام إثيوبيا في ملف سد النهضة، بعدما كان السودان حليفًا تقليديًا لمصر في هذا النزاع. ومع دخول اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل حيّز التنفيذ بانضمام جنوب السودان، شعرت القاهرة بأن نفوذها التاريخي في حوض النيل يتآكل.
ردًا على ذلك، اتجهت مصر إلى بناء تحالف أمني إقليمي يضم الصومال وإريتريا، في محاولة لمحاصرة إثيوبيا استراتيجيًا وتعويض خسائرها السياسية. ضمن هذا السياق، تؤكد القاهرة دعمها للجيش السوداني وتراه الضامن الوحيد لوحدة الدولة ومنع تفككها.
رؤية الإمارات: الموارد والنفوذ الاستراتيجي
على النقيض، تنظر الإمارات إلى السودان من منظور اقتصادي واستراتيجي مختلف. تركز أبوظبي على الموارد الطبيعية السودانية، خصوصًا الذهب، وعلى تأمين موطئ قدم على البحر الأحمر يخدم استراتيجيتها البحرية الإقليمية. لعبت قوات الدعم السريع دورًا محوريًا في هذا التصور، إذ تعتمد الإمارات على شبكات تهريب الذهب التي تصب في أسواق دبي، وفق تقارير متعددة.
غير أن فشل قوات الدعم السريع في السيطرة على السودان أجهض كثيرًا من الخطط الإماراتية. ألغت الحكومة السودانية اتفاق ميناء أبو عمامة على البحر الأحمر، وصرّح مسؤولون سودانيون بأن البلاد لن تمنح الإمارات موطئ قدم جديدًا على ساحلها. كشف هذا التطور عن فجوة عميقة بين رؤيتي القاهرة وأبوظبي: الأولى ترى في الجيش مؤسسة دولة لا غنى عنها، بينما تتعامل الثانية مع السودان كساحة موارد وفرص نفوذ.
وساطة محتملة أم تعميق للصراع؟
مع تعثر خطط الإمارات وتقدم الجيش في بعض المناطق، وافقت الحكومة السودانية على محادثات مباشرة مع أبوظبي بشرط وقف دعمها لقوات الدعم السريع ودفع تعويضات للشعب السوداني. يشكل هذا الطرح مخرجًا محتملًا من الصراع، لكنه يضع الإمارات أمام كلفة سياسية ومالية باهظة، تشمل الإقرار بدورها في الحرب وتحمل أعباء إعادة الإعمار.
في هذا السياق، تبدو مصر في موقع يؤهلها للعب دور الوسيط بين السودان والإمارات، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة بالطرفين. تشير تحركات دبلوماسية أخيرة إلى محاولات مصرية لرأب الصدع، وسط دعوات أميركية لاستغلال النفوذ الدبلوماسي لوقف الانزلاق نحو حرب أطول وأكثر دموية.
في المحصلة، يكشف الصراع الخفي بين مصر والإمارات في السودان عن تناقضات عميقة في الرؤى الإقليمية، حيث يتقاطع الأمن القومي مع المصالح الاقتصادية، وتتحول الحرب السودانية إلى ساحة اختبار لتوازنات القوة في القرن الأفريقي. استمرار دعم أطراف متناحرة يهدد بدفع السودان نحو مزيد من التفكك، بينما يبقى التفاهم الإقليمي شرطًا أساسيًا لأي أفق للاستقرار.
https://responsiblestatecraft.org/sudan/

